نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
إيران تدخل العقد الثالث من ثورتها.. وتتذكر «الأيام الأولى» التي صاغت شكل الدولة الإيرانية
وفي طهران، التي تحمل غالبية شوارعها أسماء شهداء، مثل شارع «الشهيد قرني» (أحد قادة ساباه باسداران خلال الحرب الإيرانية - العراقية)، وشارع «الشهيد همت» (أحد أبرز قادة الحرب مع العراق)، وشارع «الشهيد مفتح» (رمز العلاقة بين الجامعة والحوزة العلمية والثورة)، والذي باسمه أيضا محطة للمترو في طهران وهي «ايستكاه مترو شهيد مفتح»، ومكتبة هي «كتابخانة شهيد مفتح» في طهران، وشارع «الشهيد مطهري» (أحد تلاميذ الخميني وأحد منظري الثورة)، وشارع طالقاني (أحد أبرز منظري الثورة الإيرانية) وشارع الملا الصدر (موسى الصدر). وشارع «هفتي تير» (الذي سمي لإحياء ذكري مقتل آية الله بهشتي، تلميذ الخميني وصديقه، في 28 يونيو 1981)، ليس هناك شارع «محمد مصدق».. على الرغم من أنه خلال الأيام الأخيرة من حكم الشاه، كان المتظاهرون يخرجون مرددين «نصر من الله.. مردم شاه» أى الموت للشاه، وهم يحملون صور الخميني ومصدق جنبا إلى جنب. لكن هذه «الخصومة الرمزية» لم تكن إلا انعكاسا لخصومة حقيقة كانت قد بدأت تظهر على الأرض بين التيارات الفكرية والسياسية للثورة حتى قبل فترة طويلة من نجاحها عام 1979. وما بين ليلة شديدة البرودة في 1 فبراير عام 1979، عندما خرج نحو 3 ملايين شخص لاستقبال الخميني، وبين ظهيرة شديدة السخونة في يونيو 1989 عندما خرج نفس العدد تقريبا لوداعه، شهدت إيران تعرجات عديدة مرت بها دولة الثورة من دستور ليبرالي إلى ولاية الفقيه، ومن حوار مع أميركا بدأ منذ أن كان الخميني في باريس، إلى قطيعة مع أميركا بوصفها «الشيطان الأكبر». يتذكر محمد على مهتدي يوم عودة الخميني لطهران يوم 1 فبراير 1979، فهو كان صحافيا في التلفزيون الإيراني (اليوم مسؤول الأخبار الدولية في صحيفة اطلاعات الإيرانية). كان مهتدي مؤيدا للثورة، ومتحفزا لنجاحها. كانت أجواء ترقب متفائل، وشعور جماعي بالقدرة على التغيير، تحرك الناس في مسيرات جماعية حاشدة جعلت شاه إيران وكبار المسؤولين السياسيين والعسكريين غير قادرين على مواجهة المد. ويقول مهتدي لـ«الشرق الأوسط»: «كانت الشوارع لا تخلو من المظاهرات، من شوارع طهران إلى أصفهان إلى شيراز ومشهد. لكن الثورة كانت مفاجئة مع ذلك. لم يتوقع أحد نجاحها بهذه السرعة». ويتابع مهتدي: «بعض الناس ربما كانوا يتوقعون أن نصل إلى مرحلة عمليات عسكرية وثورة مسلحة. ربما هذه الثورة المسلحة تأخذ أشهرا أو سنين. كانت هناك خطط لعمليات حرب عصابات. وحده الخميني كان متأكدا أن هذه الثورة ستنتصر من خلال حركة شعبية، وليس من خلال حرب عصابات أو عمليات عسكرية». صبيحة يوم الجمعة 8 سبتمبر 1978 خرج الآلاف في مظاهرة بطهران، وأمر حاكم طهران العسكري بإطلاق النار على المتظاهرين فقتل 4 آلاف (وسمى «الجمعة السوداء» في أدبيات الحركة الإسلامية في إيران)، فخرج الناس يرددون: «سنقتل سنقتل من قتل إخوتنا»، وزاد وضع الشاه حرجا وهشاشة. ثم كانت استراتيجية الخميني، من منفاه في باريس، بتحييد الجيش الإيراني. وكان شعار الخميني: "«لا تهاجموا الجيش في صدره، بل هاجموه في قلبه»، أى خاطبوا قلوب جنوده وقادته. فخرجت مظاهرات بأزهار وورود لتوضع في فوهات الرشاشات، مع شعارات: «أخى في الجيش لماذا تقوم بقتل أخيك». وبالتالي لما دعا الخميني الجنود والقادة لترك الجيش والتخلي عن أسلحتهم وثكناتهم، كانت الاستجابة التي غيرت مسار إيران، فالجيش كان القاعدة الوحيدة التي بقيت للشاه بعدما فقد البازار والطبقة الوسطى والطلاب والحوزة الدينية والفقراء. دعا الخميني البازار إلى الإضراب، فأضرب الجميع بسبب العلاقة التقليدية الوثيقة بين البازار والحوزة في قم. وأصاب إيران الشلل التام. ثم دعا عمال النفط لوقف التصدير، والإنتاج فقط بما يكفي لسد حاجة الإيرانيين اليومية. فقال الشاه لعمال النفط: سنطردكم ونأتي بعمال أجانب بدلا منكم. فرد الخميني بفتوى تبيح هدر دم العمال الأجانب، وأمر بدفع رواتب عمال النفط من الأموال الشرعية، أى الخمس لمرجع التقليد. قام الطلبة بإحراق المصالح الأجنبية في إيران، كالبنوك وشركات الطيران والشركات. وأخيرا أعلن الخميني تنظيم إضراب كبير في ذكرى عاشوراء يكون بمثابة رسالة أخيرة للشاه. فأعلن رئيس الحكومة العسكرية الإيرانية أزهري، إلغاء الاحتفال بذكرى عاشوراء حتى في المساجد، وحظر التجول. فرد الخميني بدعوة الإيرانيين للتظاهر من على أسطح المنازل. وعندما ألغت الحكومة العسكرية حظر التجول خرج الإيرانيون بعشرات الآلاف وهم يرددون «أيها الشاه الخائن. نحن جاهزون للقتال.. لقد دمرت هذا البلد. وقتلت شباب هذا البلد». فرد الشاه بخطاب متلفز قال فيه إنه لن يكرر أخطاء الماضي، وسيعين حكومة وطنية في أسرع وقت تقوم بتحقيق الحريات الأساسية، وإجراء انتخابات حرة. حل الشاه الحكومة العسكرية وعين حكومة من الجبهة الوطنية المعارضة التي اختارت شاهبور باختيار، أحد قادتها لرئاستها، لكن كانت المفارقة أن الإعلان عن حكومة بختيار تم في واشنطن وعلى لسان الرئيس الأميركي جيمي كارتر، وليس من طهران أو على لسان الشاه. وكان أول قرار لحكومة بختيار هو أن يغادر الشاه إيران، ومن مطار مهر أباد قبل مغادرته طهران، قال الشاه آخر عبارة له في إيران: «قلت إنني محتاج إلى راحة. وكنت في انتظار أن تستقر أحوال البلاد». غادر الشاه إيران، وكان يعتقد أنه سيعود عندما تهدأ الأوضاع على يد بختيار. إلا أن الخميني دعا الإيرانيين إلى مواصلة حركتهم وإسقاط بختيار نفسه. فخرج الناس في الشوارع تردد «الموت لبختيار» لينقلب الخميني على الحركة الوطنية. ويعلن أنه سيعود إلى إيران لتشكيل حكومة أخرى مختلفة. قرار عودة الخميني باغت بختيار، وكان يعرف أن الهوة كبيرة بينه وبين الخميني وآيات الله، فقرر أن يغلق مطارات طهران لمنع الخميني من العودة، قائلا قبل أيام من الإطاحة به: «أن تكون هذه الدولة جمهورية أو إسلامية أو ديمقراطية أو سلطنة أو ديكتاتورية أو فاشية، فهذا أمر، والذي يحصل في الشارع أمر آخر. عندما يأتي آية الله الخميني إذا كان لديه برنامج يطرحه أو آراء يدلى بها، فسنصغي إليه بكل احترام، لكن إذا أراد أن يصبح رئيسا للوزراء أو ما شابه، فإني مرتاح للغاية في مكاني هذا». خرج الناس في الشوارع يرددون «بختيار بختيار بختيار.. الفرار الفرار الفرار»، ففي نظر الكثيرين كان بختيار معينا من قبل الشاه وهذا لا يكفي لشرعيته. عندما حاول الخميني العودة مجددا لطهران، كانت كل مطارات إيران أغلقت، إلا أن الفرنسيين سمحوا له باستخدام مطار «شارل ديغول» وباستئجار طائرة إيرباص بعدما دفع له أحد الإيرانيين تأمينها. أقلعت الطائرة وعلى متنها أعضاء مكتب الخميني وعائلته وصحافيين من المقربين منه في باريس، وهم غير واثقين تماما من قدرتهم على الهبوط في إيران، لكن السلطات الجوية الإيرانية سمحت للطائرة بالهبوط في مطار «مهر أباد». عاد الخميني وقال إن السلطة من حق «الفقيه» الذي تتوافر فيه الشروط.