إيران: 30 عاما على الثورة ـ الحلقة (3): الخميني من شارع أتاتورك.. إلى حضرة النجف

نسخة للطباعة نسخة للطباعة أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

Table of Contents:

  • إيران: 30 عاما على الثورة ـ الحلقة (3): الخميني من شارع أتاتورك.. إلى حضرة النجف
  • Page 2
  • Page 3
  • Page 4
ألقى الخميني في حوزة النجف 19 محاضرة كانت الأساس لكتاب «حاكمية الإسلام» الذي يعد شيعياً بمثابة كتاب «معالم في الطريق» لسيد قطب

نُفِيَ آية الله الخميني 14 عاماً خارج إيران منذ عام 1964 إلى عام 1979.. وتوزع منفاه على 3 محطات، تركيا (11 شهراً) والعراق (13 عاماً) وفرنسا (4 أشهر)، كان لكل من هذه المحطات تأثير مختلف على مسار الثورة الإيرانية والخميني. ففي المنفى التركي ذهب الخميني، كما يقول هاني فحص لـ«الشرق الأوسط»: «كواحد من كبار العلماء والمناضلين غير الانقلابيين، وعكف على تحرير الرسالة العملية (تحرير الوسيلة) بذهنية المرجع التقليدي من دون أن يحمل مشروعاً ثورياً»، إلا أن المنفي العراقي كان تجربة مخالفة، ففي حوزة النجف أعطى الخميني 19 محاضرة في الفترة من 21 يناير (كانون الثاني) إلى 8 فبراير (شباط) عام 1970 حولها لاحقاً إلى كتاب «حاكمية الإسلام: ولاية الفقيه»، الذي كان الأساس للدستور الإيراني بعد الثورة، ويعد شيعياً بمثابة كتاب «معالم في الطريق» لسيد قطب. وقد خرجت المحاضرات في كتاب من 150 صفحة بعنوان «الحكومة الإسلامية: سلطة القاضي الشرعي وخطاب من الإمام موسوي كاشف» وذلك لخداع الاستخبارات الإيرانية. ثم سرب الكتاب إلى الحوزة العلمية في قم، وصُور بأعداد كبيرة لتوزيعه على تلاميذ الخميني في حوزة قم، مع تعمد عدم نشر الكتاب وسط الأوساط العلمانية والليبرالية واليسارية الإيرانية التي كانت معارضتها مؤكدة لمبدأ ولاية الفقيه. ويقول أبو الحسن بني صدر، أول رئيس جمهورية في إيران بعد نجاح الثورة، إن الخميني استفاد من عدم انتشار أفكاره حول حاكمية الولي الفقيه على نطاق واسع قبل نجاح الثورة، فالتيارات الليبرالية واليسارية وحتى رجال دين من داخل الحوزة، مثل آية الله منتظري، لم تكن راغبة في أن يحل محل الشاه، حكم من رجال الدين. لكن على مستوى آخر، كانت الأفكار الثورية واللغة الحماسية التي استخدمها الخميني من الأسباب الأساسية لتحريك الشارع الإيراني. وعندما نشبت الثورة كانت مفاجئة للجميع.. للشاه وحكومته وضباطه ولأميركا ومسؤوليها. «لم تكن لدينا معلومات كافية حول الخميني وفريقه.. نعم فوجئنا بالثورة»، يقول جاري سيك مساعد زبيجنيو برجينسكي رئيس مجلس الأمن القومي الأميركي خلال إدارة الرئيس الأميركي جيمي كارتر لـ«الشرق الأوسط»، موضحاً: «لكن حتى لو كانت معلوماتنا أفضل.. لم نكن لنستطيع وقفها». لم تتوقف انتقادات الخميني للشاه بعد إعلان الشاه عن «الثورة البيضاء» عام 1963، وقال الخميني إن الإصلاحات انتهاك للدستور لأنها تمنح الشاه كل هذه الصلاحيات، وقال لأنصاره إن الهدف الآن «لم يعد الحكومة» بل «الشاه شخصياً». وفي ظهيرة أحد أيام عاشوراء في 3 يونيو (حزيران) 1963 ومن قلب المدرسة الفيضية شبّه الخميني الشاه بـ «يزيد بن معاوية»، واصفاً الشاه بـ«البائس»، محذراً من أنه إذا لم يغير سياساته فإنه سيأتي اليوم الذي يرحّل فيه الشعب الشاه إلى خارج إيران. بعد ذلك بيومين وفي 15 يونيو (حزيران) ألقي القبض على الخميني، وظل قيد الإقامة الجبرية لمدة 8 أشهر، ثم أُطلق عام 1964. لكن وفي منتصف 1964 وقّع الشاه اتفاقية الحصانة القضائية التي تقضي بعدم محاكمة الأميركيين في إيران تحت أي دعوى، فاستغل الخميني ذكرى ولادة فاطمة الزهراء ليعلن معارضته للاتفاقية. بعد ذلك هاجمت القوات الخاصة الإيرانية منزل الخميني وأخذته، ليس إلى سجن آخر، بل إلى مطار طهران حيث أُبلغ في المطار نفيه إلى تركيا، بقرار موقّع في 3 نوفمبر عام 1964 من رئيس الوزراء الإيراني آنذاك حسن علي منصور، نصه: «وفقاً للمعلومات المؤكدة والشواهد والأدلة الكافية ثبت لدينا أن تصرفات السيد الخميني وإثارته للاضطرابات كانت ضد مصالح الشعب وأمن واستقلال ووحدة الوطن. لذلك تقرر إبعاده من إيران في تاريخ 3 نوفمبر 1964». (اغتال تنظيم «فدائيان إسلام»، الذي يدين بالولاء للخميني ونشط في قم، حسن علي منصور رداً على توقيعه قرار الإبعاد بعد أسبوعين). بات الخميني الليلة الأولى من منفاه التركي في فندق «بلوار بالاس». وفي اليوم التالي غادر وانتقل إلى شارع «أتاتورك» في أنقرة وظل به أسبوعاً واحداً، وكان في تركيا العلمانية مجبراً على خلع عمامته وردائه الديني، بموجب القوانين التي وضعها كمال أتاتورك والتي تمنع لبس العباءة أو العمامة. وفي هذه الفترة أُخذت للخميني صور بدون عمامة أو عباءة، بل بالطو طويل وكوفية حول الرقبة وبنطلون ورأس عارٍ. بعد فترة قصيرة انتقل الخميني من أنقرة إلى مدينة بورصة التركية، وفي يناير 1965 قررت السلطات الإيرانية نفي مصطفى الخميني، الابن الأكبر للخميني معه إلى تركيا. بدأ الخميني يتعلم اللغة التركية، ثم شرع في كتابه «تحرير الوسيلة» وفيه فقه سياسي وليس فقط معاملات، إلا أنه لم يتضمن رؤية سياسية ثورية. ويقول هاني فحص، الكاتب والمفكر اللبناني الذي عمل كحلقة وصل بين الثورة الإيرانية والثورة الفلسطينية، لـ«الشرق الأوسط»: «في تقديري وفي معلوماتي أن الخميني عندما نُفي إلى تركيا ذهب كواحد من كبار العلماء والمناضلين غير الانقلابيين.. أيْ معارض شديد ليس إلا.. وترافق ذلك مع فراغ نسبي في المرجعية الفقهية السياسية بعد وفاة البروجردي. وقد زاد النفي من تعلق الجمهور المتدين بالخميني وأخذ يتعاطى معه كمرجع تقليدي، متواصلا من خلال زائريه، حاملين معهم الاستفتاءات والحقوق الشرعية. وقد فاتحه كثير من المقربين منه بضرورة التصدي للمرجعية التي كان زاهداً فيها (ولكنها أصبحت أمراً واقعاً). وهنا عكف على تحرير الرسالة العملية (تحرير الوسيلة) بذهنية المرجع التقليدي من دون أن يحمل مشروعاً ثورياً وإن كان قد حمّلها رؤية سياسية معارضة تاركاً للجمهور وقواه الطليعية (خاصة الطبقة المتوسطة الناهضة) أن يتدبروا أمرهم في حركة سياسية في الوقت المناسب. ولكن ذلك لم يمنع المرجعية الفقهية الخمينية من أن تتحول جزئياً في سلوك القاعدة الشعبية وسلوك الإمام وطريق من الطلبة الدينيين والشخصيات المدنية ورجال البازار الذين يتوافدون على السوق التركية في حركة تبادلية.. لم يمنع من الدخول التدريجي في نشاطات وحركة اتصالات وفعاليات سياسية صريحة.. وشرع الفقهي يصبح سياسياً، مخالفاً بذلك الشروط التي اتفق عليها نظام الشاه مع السلطة التركية، فكان الحل الذي اتفق عليه هو إعادة النفي إلى العراق على أساس فواتير سياسية متبادلة بين النظام العراقي ونظام الشاه، تسمح بأن يقيم الخميني في النجف أستاذاً للشباب من رجال الدين الذين هم برفقته والذين قد ينضم إليهم عدد من الطلبة الإيرانيين في النجف، أو الهاربين من إيران ليندمجوا جميعاً في الحوزة في سياقها العلمي التقليدي والذي يخضع لرقابة عراقية أمنية صارمة تمنع عليهم أي حراك سياسي وفي أي اتجاه». أزعجت تحركات الخميني وذهابه للمساجد وخطبه وكتاباته وعلاقته ببعض الأتراك السلطات التركية، فطلبت أنقرة من الخميني أن يغادر بأقصى سرعة دون أن تبلغه إلى أين سيتجه. استقل الخميني الطائرة في 5 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1965، وبعد ساعات قليلة وجد نفسه في بغداد.

منال لطفي
الشرق الأوسط