نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
ألقى الخميني في حوزة النجف 19 محاضرة كانت الأساس لكتاب «حاكمية الإسلام» الذي يعد شيعياً بمثابة كتاب «معالم في الطريق» لسيد قطب
كان العراق ساعتها تحت حكم عبد السلام عارف وفي مفترق طرق، فقد أسقط النظام الملكي تحت قيادة الملك فيصل عام 1958 وأعدم رئيس الوزراء نوري السعيد، إثر انقلاب عبد الكريم قاسم الذي ألغى الملكية، ثم انسحب العراق من حلف بغداد. هذا من ناحية، أما من ناحية أخرى فقد كانت هناك تشابهات في تاريخ الحركة الإسلامية الشيعية بين البلدين، إذ يعود تاريخها إلى الفترة نفسها بين 1958 و1963، على يد محمد باقر الصدر في العراق، والخميني في إيران. في بغداد استقر الخميني في حي الكاظمية ليومين ثم توجه إلى كربلاء لأسبوع في ضيافة آية الله السيد محمد الشيرازي، ثم إلى النجف حيث بقي فيها 13 عاماً. وهناك لحقت به زوجته وابنه أحمد، فيما كان ابنه الأكبر مصطفى معه منذ المنفى التركي. لم تقلق السلطات في إيران كثيراً لنفي الخميني إلى العراق، فقد كانت الأصوات التي ترى أن حوزة النجف ستضعف زعامة الخميني ومكانته في إيران هي الأكثر غلبة، على أساس أن حوزة النجف بعيدة عن إيران، وحساسة جداً حيال التدخلات في السياسة. كما أن الخميني لم تكن له معرفة وثيقة بأمور حوزة النجف. أما آيات الله الكبار في حوزة النجف من أمثال آية الله محسن الحكيم، وآية الله أبو القاسم الخوئي، وآية الله باقر الصدر فقد كانوا من الأهمية والمكانة بما يمكنهم من تجاوز مكانة الخميني. كل هذه مبررات جعلت السلطات الإيرانية تأمل في أن تكون هذه بداية «نهاية تأثير الخميني في إيران». لكن في الواقع وفرت «الحلقة العراقية» والـ13 عاماً التي قضاها الخميني في منفاه العراقي أرضية خصبة لعمله المستقبلي، وعززت علاقاته خارج إيران من العراق وحتى لبنان مروراً بسورية. ففي حوزة النجف افتتح الخميني حوزته العلمية في جامع الشيخ الأنصاري وبدأ دروسه الدينية في الفقه، وبعد 4 سنوات بدأ بإلقاء دروسه عن الحكومة الإسلامية. وشكلت هذه المحاضرات «الأساس النظري» الذي بُني على أساسه دستور إيران بعد الثورة. وفي هذه المحاضرات يقول الخميني: «الدين الإسلامي ليس ديناً محدوداً يقتصر على العلاقة بين العبد وربه. فالإسلام هو دين سياسي». وساعد الخميني أن حوزة النجف نفسها كانت بدأت تدخل في مزاج سياسي. ففي السينيات بدأ آية الله محمد باقر الصدر الانشغال بالسياسة، وظهر «حزب الدعوة». لكن حركة الصدر لم تحظَ بإجماع واسع، خصوصاً أن آيات الله كبار لم يرحبوا كثيرا بانخراط حوزة النجف في الانشغال السياسي ومن بين هؤلاء آية الله محسن الحكيم الذي لم يفضل دخول غمار العمل السياسي والثوري بالرغم من إلحاح الخميني عليه. وفي النهاية قرر الخميني عدم التدخل كي لا تتزايد الشقوق بين آيات الله في النجف. فلم يقم الخميني بدفع المبالغ الشهرية للطلاب ولا بتوزيع رسالته العلمية، ونأى بنفسه عن أن يكون من مراجع التقليد في النجف، وبات شغله الأساسي ما يدور في إيران. ويقول هاني فحص حول تأثير هذه الخطوة على نشاط الخميني في إيران لـ«الشرق الأوسط»: «في النجف قام الخميني بحركته الذكية.. تجاوز الاحتفاء الجماهيري الواسع واندفاع الطلبة في النجف لاستقباله والإحاطة به، وبنى حوله سوراً أو سياجاً تتخلله فتحات محدودة قدم من خلالها بعض المساعدات للطلبة العرب الجادين والفقراء في النجف دون أن يحاول استقطابهم. وخرج من منافسات المرجعيات الدينية في النجف، فأصبح في منأى عن اعتراضاتها ومشاغلها المعتادة، ونظم فريق عمله وشق قنواته المرتبة نحو النجف وطهران والمنافي التي اختارها عدد من أنصاره على اختلاف اتصالاتهم وثقافاتهم.