إيران: 30 عاما على الثورة ـ الحلقة (3): الخميني من شارع أتاتورك.. إلى حضرة النجف

نسخة للطباعة نسخة للطباعة أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
ألقى الخميني في حوزة النجف 19 محاضرة كانت الأساس لكتاب «حاكمية الإسلام» الذي يعد شيعياً بمثابة كتاب «معالم في الطريق» لسيد قطب

وفي النجف تيسر، أو كان لابد، للبدايات السياسية المتدرجة من طهران إلى الأناضول، أن تتواصل مع معطيات وظروف عربية وعراقية ودولية تشجعها على التوغل في مسارها السياسي.. فقبل وصوله إلى النجف بسنوات كانت النجف أو حيز منها قد تلقفت أدبيات الإخوان المسلمين وأسس حزب الدعوة -الإخوان الشيعة- واحتدم الجدل داخل الحوزة بين المرجعيات التقليدية والمرجعية الحزبية المستجدة والتي انضم إليها عدد كبير من شباب العلماء المعروفين بالفضيلة العلمية والطموح إلى التغيير (كمحمد باقر الصدر مثلا). عاش الخميني في هذه الفضاءات وتأثر بها وظهر مختلفاً عن مراجع الذين لا يحبذون الانقلاب ويراهنون على مراكمة التغيرات ببطء وحذر مع نزوع دائم إلى التسويات المقبولة.. وحول دروسه ومحاضراته في فريق عمله، الذي اتسع نسبياً، إلى بحث فقهي سياسي أنتج من خلاله كتابه المعروف (الحكومة الإسلامية) والذي كان –شيعياً- بمثابة كتاب سيد قطب (معالم في الطريق). وإن كان سيد قطب وكتابه أقرب إلى مزاج الإسلام السياسي الحركي الشيعي المستجد في النجف والذي كان عموماً أقرب إلى القبول والرضا بالشاه ونظامه ومسلكه المتعارض مع مسلك الحركة القومية العربية خاصة في جانبها العارفي والناصري ثم البعثي لاحقاً». سنوات وجود الخميني في النجف لم تشهد انقطاعاً بينه وبين إيران، فقد كان الزوار يتوافدون بشكل شبه يومي بين النجف وقم، وواصل طلبة الخميني التنظيم في القرى والمدن وتنظيم الجماعات السياسية ومن ضمنهم آية الله مطهري وآية الله بهشتي وآية الله خامنئي وهاشمي رفسنجاني. كانت بيانات الخميني تطبع بشكل سري وترسل لإيران عن طريق سورية أو الكويت، يحملها غالباً تلاميذ للخميني خضعوا لدورة تدريبية في معسكرات فتح في لبنان ويحملون هوية منظمة «فتح». كما كان الخميني يرسل مع أقاربه خلال زيارتهم للنجف أشرطة كاسيت تفرّغ وتطبع وتوزع في قم، كما ساعد على انتشار أفكار الخميني داخل العراق وإيران سماح عبد السلام عارف بإقامة إذاعة خاصة للمعارضة الإيرانية في النجف بقيادة الخميني، مما منح الخميني هامشاً ملائماً للحركة. وفي عام 1968 حدث الانقلاب البعثي، فتدهورت علاقة الخميني بالنظام العراقي بسبب الضربات التي وجهها أحمد حسن البكر للمؤسسة الدينية في العراق والحركة الإسلامية. غير أن الأمور تغيرت لاحقاً، فبعد تصاعد الخلافات بين العراق وشاه إيران عام 1971، قام أحمد حسن البكر بطرد عدد كبير من الإيرانيين في حوزة النجف أو اعتقالهم رداً على تسليح الشاه للأكراد العراقيين المنتشرين على المنطقة الحدودية بين البلدين. واستمرت التوترات بين عراق البعث وشاه إيران حتى 1974، ووسط هذا حاول النظام البعثي التقرب إلى المعارضة الإيرانية في النجف وأرسل وفداً لمقابلة الخميني، لكن الخميني أعلن نيته مغادرة العراق، غير أن نظام البعث أبقاه قيد الإقامة الجبرية لاستغلاله كورقة في اللحظة المناسبة. أصبح بيت الخميني محاصراً في النجف تحت الحراسة الأمنية، فاعتصم احتجاجاً ولم يعد يخرج من البيت، إلى أن توفي ابنه الأكبر مصطفى في 23 يوليو 1978 بطريقة غامضة، قيل إنها تسمم، فقرر الخميني مغادرة العراق بأي شكل، توجه أولا إلى الكويت ومنها إلى سورية. على الحدود مع الكويت تركه تلاميذه وأخذ هو سيارة لدخول الكويت، لكن السلطات الكويتية رفضت السماح له بالدخول، فطلب أن يستقل الطائرة لبلد آخر فرفضوا. عاد الخميني إلى بغداد وهو يعرف أنه لن يسمح له بدخول العراق التي لم تكن تريد إفساد علاقتها بالشاه بعد اتفاق بين البلدين في الجزائر 1975 يقضي بتضييق هامش حركة الحركات المعارضة في كل بلد. من بغداد حجز الخميني تذكرة إلى فرنسا، التي استقبلته مشترطة عدم القيام بأي نشاط سياسي معادٍ للشاه، فردّ «لن أقوم بأي نشاط داخل فرنسا لكنني سأواصل العمل بالبيانات داخل إيران». بقي الخميني في فرنسا من أكتوبر 1978 حتى فبراير 1979 ومعه ابنه أحمد، فيما بقيت زوجته في العراق. وكان يجري 5 أحاديث صحافية في اليوم، وخلال نحو 4 أشهر كان قد أجرى 450 حديثاً صحافياً. في هذه الفترة، كما يقول محمد علي مهتدي الصحافي في صحيفة «إطلاعات» الإيرانية لـ«الشرق الأوسط»: كانت إيران تغلي من الداخل، وتم حل الحكومة المدنية وتم تشكيل حكومة عسكرية محلها، وانتشرت الاعتقالات والدبابات في الشارع. ثم بدأ الشاه يهين الخميني عبر مقالات في صحف رسمية مثل «اطلاعات»، في تناقض مع معادلة تاريخية وهى احترام الشاه الصفوي ولاحقاً الشاه القاغاري ثم البهلوي للمرجع الأكبر سواء كان هذا المرجع نجفياً أو قمياً. ويوضح مهتدي أن الشاه دفع ثمناً غالياً لاستخفافه بهذه المعادلة، إذ خرجت الناس في مظاهرات كبيرة جداً في قم وطهران ويزد وتبريز وعبدان، فيما بات يعرف بـ «الحركة الأربعينية». وقُتل المئات. في ظل هذه الأجواء الملتهبة في إيران، كان الرئيس الأميركي جيمي كارتر مشغولا بالسلام بين مصر وإسرائيل، وقلق قلقاً بسيطاً على تطورات إيران بعد تقارير مطمئنة من الاستخبارات الأميركية. لكن المشكلة أن الاستخبارات الأميركية في إيران كان لها وجود في كل مكان، وأعين وسط الحركة الوطنية والحركة الليبرالية والحركة اليسارية، إلا في قم ووسط رجال الدين.

منال لطفي
الشرق الأوسط