إيران: 30 عاما على الثورة ـ الحلقة (4) : خميني باريس.. وخميني طهران
Table of Contents:
يقول أبو الحسن بني صدر، أول رئيس جمهورية في إيران بعد الثورة، إن السبب في الخلافات التي حدثت بين التيار الوطني الليبرالي واليساري وبين التيار الديني يعود إلى أن «خميني باريس» كان غير «خميني طهران»، موضحا لـ«الشرق الأوسط»: «في باريس كان الخميني محاطا بالمثقفين والمفكرين.. فيما في قم وطهران كان محاطا برجال دين». ومن قم إلى طهران بدأت قصة الخلاف بين تيارات الثورة الإيرانية، وبدأت الأعصاب تتوتر، وتتزايد عمليات الاغتيال من الطرفين، وشلت الدولة، وبدأت القوى التي شاركت في الثورة تترصد بعضها لبعض وتتصيد الأخطاء وتتبادل الاتهامات.
ويروي هاني فحص الذي كان قريبا من الثورة الإيرانية وقيادتها لـ«الشرق الأوسط»: «أذكر أنه في إحدى الليالي عقدت جلسة تشاورية في منزل المرحوم الدكتور علي شريعتي (أحد أهم منظري الثورة الإيرانية)، حضرها المرحوم السيد أحمد الخميني، ابن الخميني، الذي خضع لاستجواب طويل وتفصيلي ومعقد، يدور حول مخالفات الدولة أو السلطة لتقييم الثورة وأفكارها. وناقش السيد أحمد، وعندما حوصر قال أحمد الخميني: اعذرونا، فالإمام معزول ومحاصر ومكتوف اليد. فقالت زوجة المرحوم شريعتي لأحمد الخميني: أنت تذكرنا بالشاه، فقد كان كثيرون وقتها يقولون إن الشاه جيد ويريد خيرا لكنه محاصر. فهل أصبح الإمام مثل الشاه؟ هذه كارثة».
عاد الخميني إلى طهران وقال بعد أيام من نجاح الثورة الإيرانية في 11 فبراير (شباط) 1979: «إننا نعيش في الجمهورية الإسلامية. في الجمهورية الإسلامية كانت حكومة الإسلام تدار من قبل الرسول الأكرم والأئمة. علينا أن تكون حكومتنا كحكومتهم». إلا أن هذا التوجه سبب قلقا وسط التيارات الليبرالية والقومية واليسارية الإيرانية، فرجال الدين لم يكونوا سوى جزء من التيارات التي قادت الثورة في إيران.
يقول محسن كديور المفكر الإيراني البارز لـ«الشرق الأوسط»: «لم تكن الثورة الإيرانية ثورة إسلامية دينية، بل ثورة وطنية، شارك فيها فئات من الشعب يعملون في إطار التيار الليبرالي والجبهة الوطنية والتيار اليساري. لم يتوقع الذين شاركوا فيها حتى من رجال الدين في الأيام الأولى بعد قيامها أن تصبح لهم اليد العليا في السلطة».
بعد فترة من عودته إلى طهران غادر الخميني إلى قم، حيث أدار شؤون الحكم من هناك. وكان الوزراء والمسؤولون يتوجهون إليه في منزله في قم، ويعرضون عليه القرارات والتطورات السياسية وهم جالسون على حصيرة على الأرض بجواره. (ظلت قم هي مركز اتخاذ القرار إلى أن اضطر الخميني إلى العودة إلى طهران بعدما قال له الأطباء إن حالة قلبه لا تحتمل أن يعيش في قم، وإن عليه أن يتوجه إلى طهران كي يكون قريبا من فريقه المعالج).
من قم أصدر الخميني تعليماته بوضع أسس جديدة للسلطة التشريعية والتنفيذية، فأمر بتشكيل مجلس الشورى الثوري برئاسة آية الله طالقاني وعضوية مرتضى مطهري ومحمد بهشتي وهاشمي رفسنجاني ومهدي العراقي ومحمد مفتح، وكلهم من رجال الدين وتلاميذ الخميني المقربين منه، إضافة إلى أبو الحسن بني صدر وقطب زاده، وكلاهما كان قريبا من الخميني، فأبو الحسن بني صدر كان معه عندما كان منفيا في فرنسا. وفي 15 فبراير (شباط) 1979 أصدر الخميني قرارا بتشكيل «حكومة مؤقتة»، مهمتها تنفيذ قرارات «مجلس شورى الثورة»، وبدأ البحث عن أسماء أعضاء الحكومة بشرط ألا يكونوا من علماء الدين. فطرح حزب نهضة حرية إيران أو «نهضت ازادي إيران» نفسه لتشكيل الحكومة في ظل الدعم الذي يحظى به من آية الله طالقاني (أحد أهم منظري الثورة الإيرانية وصديق الخميني). خصوصا أن زعيم حزب حرية إيران مهدي بازركان كان معارضا للشاه، وسجن إلى جانب آية الله مطهري وآية الله بهشتي وآيه الله منتظري، كما أن من قياداته إبراهيم يزدي الذي كان قريبا من الخميني ومن مستشاريه في باريس.
وقع الاختيار على بازركان ليرأس أول حكومة في عهد الثورة، وكان بازركان وإبراهيم يزدي بلباس مدني وربطة عنق وثقافة منفتحة على الغرب. ويقول هاشمي رفسنجاني في مذكراته حول أسباب التوترات التي بدأت تظهر بين رجال الدين وبين حكومة بازركان: إن بازركان كان مسلما ورعا، لكنه كان لا يؤمن بالحكومة الدينية، وإن الخميني عيّنه بشكل مؤقت للإشراف على الدستور وإجراء الاستفتاء، وإنه كان منفذا للقرارات فيما مجلس شورى الثورة هو الذي يصنع السياسات.
جلس بازركان على الأرض في منزل الخميني في قم ومعه وزراء حكومته الجديدة يقدمهم إلى الخميني. لم تكن هناك طاولة أو أوراق أو جلسة عمل، فقط حصيرة على الأرض جلس عليها الخميني مع الوزراء الجدد وقد خلعوا أحذيتهم. وكان هذا مؤشرا لما سوف يأتي، فالحكومة بات عليها أن تذهب إلى قم بدلا من أن تأتي قم إلى طهران.
كان رجال الدين أصحاب اليد العليا منذ البدايات الأولى ولو من وراء الستار، لكنّ الإيرانيين في تلك الأيام الأولى لم يكونوا يدركون حجم التوتر الخفي بين تيارات الثورة. خرج الناس سعداء في الشوارع يرددون: «بازركان.. بازركان.. منفذ أحكام القرآن»، و«رئيس وزراء إيران.. هو مهدي بازركان، لأن الخميني قال.. والخميني حامل القرآن»، فيما كان مقربون من الخميني بنتقدون بازركان بحجة عدم معرفته بالجانب السياسي في الفقه الإسلامي. وسرعان ما اصطدم بازركان بالكثير من العقبات، منها شعارات الثورة الدينية، ومجلس شوراها من آيات الله، وفكرة أنه منفذ لقرارات مجلس شورى آيات الله في قم.
وردا على توجه رجال الدين لتشكيل حكومة دينية، شكل حزب «توده» اليساري و«حزب حرية إيران» بقيادة مهدي بازركان ويد الله سحابي وإبراهيم يزدي، و«الجبهة الوطنية» بقيادة كريم سنجابي، إضافة إلى جماعات «فدائي خلق» و«مجاهدي خلق» و«بيكار» و«الفرقان» و«الحزب الشيوعي» الإيراني، جبهة واسعة لمعارضة أفكار الحكومة الدينية، لكنهم اختلفوا على نوع الحكومة المبتغاة، فحزب نهضة حرية إيران طالب بديمقراطية ليبرالية، أما الشيوعيون فطرحوا حكومة الطبقة العاملة، فيما كان الإسلاميون يطرحون مصطلح «الحكومة الإسلامية»، ودخل مطهري وبهشتي في مناظرات تلفزيونية لشرح وجهة نظر الإسلاميين، ثم لاحقا أسس رجال الدين حزب «جمهوري إسلامي» أو الجمهورية الإسلامية، ليكون لهم حزبا سياسيا يعبر عن أفكارهم بالرغم من عدم رضا الخميني عن فكرة الأحزاب السياسية عموما.




