إيران: 30 عاما على الثورة ـ الحلقة (4) : خميني باريس.. وخميني طهران
Table of Contents:
طرح الخميني فكرة استفتاء شعبي على نظام الحكم، فطلب بازركان أن يكون الاستفتاء على «جمهورية إسلامية ديمقراطية»، فرفض الخميني وأصر على أن تكون «جمهورية إسلامية». وعمق هذا الخلاف بين بازركان والخميني وإن كان صامتا. ثم حدث الاستفتاء في مارس (آذار) عام 1979 على سؤال واحد، وهو: «هل توافق على الجمهورية الإسلامية؟ نعم أم لا؟» وقد صوت 98 % بـ «نعم»، فأعلن قيام الجمهورية الإسلامية في أول أبريل (نيسان) 1979، وطلب الخميني انتخاب لجنة من رجال دين وقانونين لوضع «الدستور الإسلامي»، واجتمعت اللجنة في طهران وحدثت الكثير من الاختلافات، خصوصا حول مبدأ ولاية الفقيه، وأبدى بازركان وأبو الحسن بني صدر وإبراهيم يزدي وقطب زادة معارضتهم الشديدة. وقال بني صدر ساعتها إنها «ديكتاتورية رجال الدين»، فغضب أنصار الخميني، وقررت الحكومة الانتقالية الاستقالة ما لم تحلّ مسألة ولاية الفقيه.
ويوضح بني صدر لـ«الشرق الأوسط» أن قادة التيارات الوطنية الليبرالية واليسارية فوجئوا برغبة رجال الدين في الإمساك بمقاليد السلطة في يدهم، موضحا أن الاعتقاد الذي ساد في بداية الثورة هو أن الخميني سيعود إلى قم ليكون بمثابة أب روحي للثورة، وأنه لا رغبه لديه في مشاركته، أو مشاركة رجال الدين عموما، في السلطة التنفيذية. إلا أن الأيام أثبتت أن هذه القراءة لم تكن صحيحة.
خرج الآلاف من أنصار رجال الدين وأنصار الجبهة الوطنية، ونشبت مواجهات حادة عنيفة قتل فيها ما لا يقل عن 3 وكأن الثورة لم تنتهِ بعد. وكان أمل الجبهة الوطنية الأخير هو الجيش، لكن الجيش كان يردد «الله أكبر.. خميني رهبر»، أي «خميني هو القائد»، فطلبت الحركة الوطنية والحزب الشيوعي حل الجيش لأنه من بقايا النظام السابق، لكنّ الخميني ومستشاريه ورجال الدين لم يقبلوا، فبدأت عناصر من الجبهة الوطنية واليسار تستولي على أسلحة الثكنات العسكرية. وخلال أشهر من التوترات تمت تصفية العشرات من رجال الدين المقربين من الخميني، من بينهم قائد أركان الجيش الإيراني المقرب من الخميني، وآية الله مرتضى مطهري، أقرب مساعدي الخميني، وصهر الخميني الدكتور إشراقي، وآية الله الطباطبائي، والدكتور مفتح ومهدي عراقجي، وآيه الله بهشتي، ومحمد علي رجائي وباهنر، فيما فشلت محاولات اغتيال علي محتشمي وموسوي أردبيلي وهاشمي رفسنجاني وعلي خامنئي. لم يعد الخميني يثق بالجيش لأن الكثير من قياداته لم تتغير، والكثير منهم كان لديه مَيل ليبرالي، فقرر أن ينشئ خلايا الحرس الثوري أو حراس الثورة، التي كانت أولى مهامها القضاء على تحركات الأكراد، وهو ما تم في صيف 1979.
كانت إيران الثورة في حالة فوضى غير عادية، وكانت حساسية الإسلاميين من الليبراليين والجبهة الوطنية كبيرة جدا، يعززها الخوف من أن تتدخل أميركا لصالح الليبراليين ضد الإسلاميين. وذادت المخاوف بعد اجتماع بازركان وإبراهيم يزدي مع زبيجنيو برجنيسكي في الجزائر.
ويقول محمد علي مهتدي الصحافي في صحيفة «اطلاعات» الإيرانية لـ«الشرق الأوسط»: «كانت هناك احتفالات في الجزائر بمناسبة مرور 25 عاما على انتصار الثورة الجزائرية، وكنت في الجزائر وقتها، وكان هناك أبو عمار وهاني الحسن وكثيرون كانوا في الجزائر، فطلب برجينسكي اللقاء مع المهندس مهدي بازركان، ولم يكن هذا اللقاء مبرمجا أو معدا سلفا. بازركان لم يجد أي مانع للقاء مع برجينسكي والتباحث معه. ربما كان بازركان يريد أن يطمئن أميركا أن هذه الثورة لها مبادئ، وأنه إذا احترمت أميركا مبادئ الثورة ربما يكون بالإمكان الاتفاق على بدء نوع من الحوار، لأنه كان أول لقاء من نوعه وحضره من الجانب الإيراني بازركان، بالإضافة إلى وزير الدفاع مصطفى شمران، ووزير الخارجية إبراهيم يزدي. لم يحدث شيء، وكان لقاء يتيما، لكن يبدو أنه كانت هناك بعض التيارات تقف بالمرصاد في إيران، ولم يكونوا راضين عن هذا اللقاء بين برجينسكي وبازركان وفريقه، وخلقوا أجواء ضاغطة إعلامية وسياسية ضد الحكومة المؤقتة، وبعد ذلك حدث هجوم الطلبة على السفارة الأميركية وأخذ رهائن، ليستمر ذلك لمدة 444 يوما، ونتيجة لذلك استقالت حكومة مهدي بازركان لأنه كان يريد أن يصنع دولة تسير حسب القوانين الدولية».
وفي 4 نوفمبر (تشرين الثاني) 1979 احتل طلبة إيرانيون السفارة الأميركية في طهران، وهو الحدث الذي يقول الكثير من داخل الجبهة الوطنية في إيران إنه تم بضوء أخضر من رجال دين مقربين من الخميني، بهدف «قلب الطاولة» على رجال الجبهة الوطنية والتيار الليبرالي لإضعافهم وتشديد قبضتهم. ويؤكد رفسنجاني أن مجلس شورى الثورة، الجهة التي كانت تحكم فعليا، لم يكن على علم بنية احتلال السفارة، موضحا: «كنت أنا وخامنئي قد ذهبنا إلى مكة للحج، وكنا نياما على سطح البيت الذي كنا نسكنه هناك. عندما سمعنا الأخبار عبر الراديو عرفنا أن الجامعيين سيطروا على السفارة الأميركية».
طالب مهدي بازركان وإبراهيم يزدي بإنهاء احتلال السفارة وإطلاق الرهائن، وهددوا بتقديم استقالاتهم. ويقول يزدي إن الخميني قال إنه لم يكن يعلم مسبقا بخطوة الطلبة للاستيلاء على السفارة الأميركية، فالطلبة لم يفاتحوا أحدا في الأمر سوى موسوي خوئيني، أحد مستشاري الخميني.
ذهب يزدي إلى قم للقاء الخميني وحكى له خطورة خطوة احتلال الطلبة للسفارة الأميركية. ويقول يزدي إن الخميني رد عليه بقوله: «ألقوا بهؤلاء الطلبة في الخارج»، فقرر يزدي العودة إلى طهران لإنهاء أزمة الرهائن مع بازركان، على اعتقاد أن الخميني غير راض عن هذه الخطوة. غير أن اتصالا هاتفيا من موسوي خوئيني لأحمد الخميني، ابن الخميني، غيّر كل شيء، فقد تراجع الخميني عن موقفه، وفي الواقع وقف أمام تحرك حكومة بازركان لإنهاء أزمة الرهائن. وكانت هذه تحولات مفصلية، فقد أدت إلى انفصال بين التيار الوطني الليبرالي بقيادة الجبهة الوطنية، وبين تيار رجال الدين في الثورة، فقد قبل الخميني استقالة حكومة بازركان، وأمر مجلس قيادة الثورة بتصريف مهام الحكومة، وذلك بعد 9 أشهر فقط من توليها السلطة، ليخرج الليبراليون والحركة الوطنية من الحكم.
لاحقا دعا الخميني إلى انتخابات رئاسية، فترشح لها أبو الحسن بني صدر وجلال الدين الفارسي من الحزب الجمهوري الإسلامي، الذي كان حتى ذلك الوقت يرشح سياسيين وليس رجال دين، ومسعود رجوي من مجاهدي خلق، وحسن حبيبي، وكان مقربا من الإسلاميين دون أن يكون رجل دين أو يرتدي اللباس الديني، مثله مثل بني صدر ورجوي. ألغى الخميني ترشيح جلال الدين الفارسي لأن والدته أفغانية، وألغى ترشيح رجوي لأنه لم يصوت في الاستفتاء على نظام الجمهورية الإسلامية، موضحا أنه لا يمكن لرجوي أن يكون رئيسا «لنظام لم يصوت له».




