إيران: 30 عاما على الثورة ـ الحلقة (4) : خميني باريس.. وخميني طهران

نسخة للطباعة نسخة للطباعة أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
من بازركان إلى يزدي إلى بني صدر .. هكذا تفاقمت الصراعات داخل تيارات الثورة الإيرانية

خلال 9 أشهر شهدت إيران صراعا متواصلا مكتوما وعلنيا بين التيارات الليبرالية وبين التيار الديني على اختيار أسماء أعضاء الحكومة وقيادات الدولة، وتعطل تشكيل الحكومة، وكان الصراع في البرلمان أكثر وضوحا بين الأقلية النيابية التي تدعم بني صدر، وبين النواب الذين يدعمون الحزب الجمهوري الإسلامي. وكان عدد هؤلاء كبيرا حتى إن أول برلمان كان غالبيته من رجال دين بعمامات وعباءات، وكان الصراع على شخصية رئيس الوزراء وهل يمثل التيار الليبرالي أو رجال الدين.

ثم بشكل مفاجئ طرح بني صدر اسم أحمد الخميني لرئاسة الوزراء، وبعث رسالة إلى الخميني بهذا المضمون، جاء فيها: «سماحة آية الله العظمى الإمام الخميني قائد الثورة الإسلامية الإيرانية، نظرا إلى الأوضاع الحالية، وبما أن مجتمعنا هو مجتمع شاب، ويشهد حماسا إيجابيا وتوجها نحو الإنتاج والنشاط، ولأن الجانب المعنوي الثوري هو المحرك الأساسي، لذلك أعتبر أن حجة الإسلام السيد أحمد هو أحد أنسب الأشخاص لرئاسة الوزراء. وأجد أن موافقتكم عين الصواب». فرد الخميني عليه بشكل مقتضب وحازم وسريع: «باسمه تعالى، لا أنوي أن يتسلم أبنائي مناصب. أحمد خادم للشعب، وفي هذه المرحلة إذا كان حرا يمكنه أن يخدم بشكل أفضل. والسلام عليكم».

تشكلت لجنة ثلاثية داخل مجلس الشورى للحوار مع بني صدر حول شخصية رئيس الوزراء، وتم وضع قائمة بها 14 اسما، شطب بني صدر نصفها وتبقى 7 أسماء، فقال بني صدر إن أي اسم منها يختاره البرلمان لن يمانع فيه. وقد صوّت المجلس في اجتماع مغلق على الـ7 الباقين، وتم اختيار محمد علي رجائي بأكثرية الأصوات، لكن العلاقات كانت شبه مقطوعة بين بني صدر ورجائي. وحاول بني صدر اللجوء إلى الشارع فدعا إلى مهرجان في جامعة طهران في ذكرى وفاة زعيم الجبهة الوطنية محمد مصدق، وحضر المهرجان كل أطياف اللون السياسي، وهناك أعلن بني صدر تشكيل جبهة وطنية لمعارضة رجائي وحزب الجمهورية الإسلامية.

فأمر الخميني بتشكيل لجنة لدراسة الاختلافات بين مسؤولي الدولة، تتكون من طرف يمثل بني صدر وآخر يمثل الطرف المعارض والثالث يمثل الخميني. وأمر بني صدر وبهشتي ورجائي ورفسنجاني - كان رئيس البرلمان ساعتها - بعدم إعطاء أي تصريحات صحافية حول الخلافات بينهم حتى تنهي اللجنة عملها، لكن بني صدر تحدث لوكالة «رويترز» للأنباء وحذر من «نظام ديكتاتوري» في إيران مشابه لنظام الشاه. فواجه انتقادات شديدة في البرلمان وساءت العلاقات أكثر وامتدت إلى الشارع، ونشبت صدامات عنيفة في جامعة طهران، فتدخل الخميني في الأزمة لائما بني صدر، قائلا: «إن لحن الانتقاد يختلف عن لحن التآمر.. وإضعاف الجمهورية الإسلامية».

وسط هذه الصرعات والفوضى هاجم العراق إيران واستولى على خورمشهر، فتزايدت الانتقادات لبني صدر بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، وتزامن مع هذا إعلان الطلبة الذين احتلوا السفارة العثور على وثائق قالوا إنها تثبت تورط بني صدر في التجسس لصالح أميركا قبل سنة من انتخابه رئيسا لإيران. وفي 10 يونيو (حزيران) عام 1981، وبعد عام و4 أشهر على تعيين بني صدر رئيسا، أمر الخميني بعزله من قيادة القوات المسلحة ومن الرئاسة.

ويقول هاني فحص لـ«الشرق الأوسط» حول تحولات الخميني من رفضه المبدئي لتعيين رجال الدين في المناصب السياسية، ثم موافقته على ذلك لاحقا: «صبر الخميني على بني صدر وأعطاه الفرص.. وصبر على بازركان والجبهة الوطنية على الرغم من اللقاء المتسرع مع برجنيسكي.. وكنت حاضرا عندما تم إبلاغ الخميني بأن الحزب الجمهوري رشح جلال الدين فارسي - وهو مدني - لرئاسة الجمهورية. فسأل الخميني: وماذا فعل السيد بهشتي؟ فأجيب بأنه انسحب، فابتسم الخميني راضيا (أي لم يكن محبذا في البداية تولي رجال الدين مناصب تنفيذية). وكان سفير فلسطين وقتها حاضرا، وقلت له: أرايت؟.. هذا رجل (الخميني) ديني - مدني. فقال هاني الحسن: أتفق».

ويتابع فحص: «لكن الخميني اضطر لاحقا إلى القبول بأن يتولى رجال الدين كل السلطات لأسباب تتصل بأداء القوى السياسية المدنية واستعجالاتها، والرغبة الجامحة لدى رجال الدين في السلطة. وقد حصل ذلك، وأذكر أن القوى الوطنية الليبرالية ارتأت أن الخميني لم يكن إلا محرضا في تاريخ الثورة، وأن الدولة هي شأنها حصريا، وأن الخميني لا يمكن أن يترك حتى يصادر الدولة. وفي اعتقادي أنه لم يكن يريد ذلك، ولكنه كان يلزم نفسه بأن تبقى روح الثورة في الدولة، وهي نظرية مثالية جميلة لكنها غير واقعية، ولذلك عدل عنها لاحقا عندما حوصر، وشرعت القوى السياسية تبني الدولة وعلاقتها بعيدا عنه.. بعدها بأسابيع كنت مع السيد حسين الخميني في دمشق حيث وصلنا خبر استيلاء الطلبة على السفارة الأميركية في طهران، فقال حفيد الإمام لي: جهز نفسك لنصل إلى طهران، فقد انفك الحصار عن الإمام. بعدها كان لا بد للخميني أن يزج بتلاميذه من المعممين وغيرهم إلى بناء الدولة، بعيدا عن القوى الليبرالية التي أساءت رسم سلم أولوياتها، فيما كنت أرى ضرورة عدم قمعها وإقصائها. هل تصرف الخميني بشكل مختلف من الثورة إلى الدولة؟ لا بد أن يحدث ذلك، وإلا كانت الكارثة. والثورة لا بد أن تؤدي إلى الدولة، ومنطقها يختلف عن منطق الثورة، والأفضل بين الثوريين الذين يحكمون هو أن يقصروا المسافة بين الدولة والثورة لأن إلغاءها مستحيل عمليا».

غير أن بني صدر يوضح أن تركيبة الخميني ومن حوله هي السبب في التوترات بينهما وليس طبيعة بناء الدولة, موضحا لـ«الشرق الأوسط» «جاء الخميني إلى هنا، فرنسا، وقال ما قاله أمام العالم حول الحريات والديمقراطيات والتقدم والإسلام، الذي يؤمن بالحرية. هل كان يعتقد بكل ما قاله لو كان يؤمن بذلك حقا؟ فانطلاقا من كونه رجل دين، لا يمكنه أن يقوم بعكس ما يؤمن به. لو لم يؤمن بما قاله، فهذا يعني أنه بالنسبة إليه، فإن السلطة كان تحتل الأولوية. وكونه رجل دين، يعرف أن الدين يعني الالتزام، ولا يمكنه أن يغير خطابه. ولكنه غير التزامه. وعندما فعل ذلك، تبين أن السلطة بالنسبة إليه كان لها الأولوية المطلقة».

جرد البرلمان بني صدر من صلاحياته السياسية وأقر الخميني القرار، وجرت انتخابات جديدة جاءت بمحمد علي رجائي رئيسا، إلا أنه اغتيل لاحقا. فدعا الخميني لانتخابات جديدة وسمح لأول مرة لرجال الدين بخوضها، وفي 2 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1981 انتخب علي خامنئي الرئيس الثالث للجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد بني صدر ورجائي، ليكون بذلك أول رجل دين معمم يحتل هذا المنصب في إيران، وعين مير حسين موسوي رئيسا للحكومة. وكان الخميني مرتاحا أخيرا لشخصية الرئيس ورئيس الوزراء وفي خطاب كلمة الخميني له، قال له: «عليكم أنتم المحافظة على هذا النظام.. فإن استمرار ما حصل في إيران أمر صعب، وعليكم القيام بحفظ هذا النظام رغم كل العقبات التي تواجهنا».

منال لطفي
الشرق الأوسط