إيران 30 عاما على الثورة ـ الحلقة (2) : الآباء الروحيون لـ «روح الله».. ومعركة الإرادات بين الشاه والحوزة

Printer-friendly versionPrinter-friendly versionSend to friendSend to friend

Table of Contents:

  • إيران 30 عاما على الثورة ـ الحلقة (2) : الآباء الروحيون لـ «روح الله».. ومعركة الإرادات بين الشاه والحوزة
  • Page 2
  • Page 3
  • Page 4
بدأ الصراع بين «كرسي الملك».. و«كرسي المرجعية» منذ ثورة المشروطية 1906.. إلا أن الخميني نقله من الحوزة إلى الشارع

يقول الصحافي الفرنسي إيريك رولو الذي كان يعمل صحافيا في صحيفة «لوموند» الفرنسية إنه في إحدى المقابلات مع شاه إيران سأله عن البيان الذي أصدره آية الله الخميني لانتقاد البذخ في احتفالات مرور 2500 عام على حكم الشاهنشاهية، فرد الشاه غاضبا: من هو الخميني حتى أرد على السؤال. فقال له رولو: هذا مجرد سؤال صحافي.. وهناك بيان نشر من الخميني وأنا فقط أسألك رأيك. فقال له الشاه: أنا لن أرد على السؤال لأن الخميني ليس إيرانيا ولا فارسيا. هذا هنديا. وأنا لا أرد على الهنود. تلخص هذه الرواية الصراع الذي بدأ يطفو على السطح بين «كرسي الملك» في إيران و«كرسي المرجعية». تاريخيا كانت المرجعية الدينية في «قم» لها صوتها واستقلالها، إلا أن هذا الصوت وهذه الاستقلالية لم تقف يوما مهددة «كرسي الملك»، وبالتالي عندما شعر محمد رضا شاه بالخطر، لم يكن أمامه إلا محاولة التخلص من «كرسي المرجعية» بمحاولة نقله من قم إلى النجف. وكانت الظروف مواتية فقد كانت حوزة قم بلا مرجعية واضحة بعد وفاة آية الله البرجردي، وكانت قم منقسمة على نفسها فيما يتعلق بطريقة التعامل مع تصرفات الشاه، فيما اسم الخميني يصعد خصوصا وسط تيار من طلبة الحوزة يريد الانشغال بالسياسة، بل وحتى العمل المسلح. يقول المفكر هاني فحص، الذي كان همزة الوصل بين الثورة الفلسطينية والثورة الإيرانية وشاهد عيان على الكثير من تطورات تلك المرحلة في إيران، إن الخميني في انشغالاته السياسية لم يكن يشكل خروجا على المألوف وسط الحوزة، غير أن ما تميز به هو أنه وتدريجيا طور «مشروعا سياسيا» لحركته الاحتجاجية، موضحا لـ«الشرق الأوسط»: «لم يكن الإمام الخميني استثناء أو شاذا عن قاعدة رجال الدين في قم خاصة وفي إيران عامة من حيث انشغاله بالسياسة واشتغاله عليها. ونحن نتذكر أن الثورة الدستورية) أو ما سمى بالمشروطية) في العقد الأول من القرن الماضي كانت قيادتها في إيران من رجال الدين وخريجي حوزة النجف، وبعدها كانت حركة آية الله المدرس، وحركة آية كاشاني وشراكته في الانقلاب الأول على الشاه مع محمد مصدق ورفاقه. إلى ذلك فقد كانت الانطلاقة في الثورة الدستورية من النجف وبقيادة كبار المجتهدين الإيرانيين، كما كانت معارضتها منهم. ولا يمكن إنكار مشاركة علماء من أصول إيرانية في ثورة العشرين في العراق ضد الاحتلال الإنجليزي. ومن الطبيعي أن نأخذ في اعتبارنا اللحظة التاريخية بكل تفاصيلها، وشخصية الخميني ودور هذين الأمرين في إقدام الخميني على اتخاذ موقفه المعارض علنا ليكون بما ترتب عليه.. بداية في حركة انتهت بالثورة وإسقاط النظام. وفي محددات اللحظة كان هناك ما سمي بالثورة البيضاء أو الإصلاح الزراعي على طريقة الشاه، والتي أعادت أو جددت تمركز الملكيات الزراعية على حال من الجمع العشوائي بين الأسلوب الإقطاعي، وطموحات برجوازية مستجدة وطفيلية إلى الثروة والسلطة. وقد أدى هذا التركيب الهجين إلى مزيد من التردي في الإنتاج الزراعي ومستوى معيشة الفلاحين والهجرة الريفية في المدينة، مترافقا مع إطلاق يد الشركات الاستثمارية الأجنبية في السيطرة على دورة الإنتاج والسوق، وفي طليعتها الشركات الأميركية مع شراكة واسعة لإسرائيل، كادت أن تطال كل شيء، في مصادر الثروة الوطنية وحركتها لتصبح عملية النمو مرتهنة بالكامل. ما ذكر الإيرانيين بقضية شركات احتكار التبغ والتنباك الإنجليزية في أواخر القرن التاسع عشر بعد سلسلة من الأنشطة الاحتكارية بدءا من الهاتف والبريد. وذكرهم بأن رجال الدين وعلى رأسهم الميرزا محمد تقي الشيرازي هم الذين تصدوا لهذه المسألة وقادوا بالفتاوى حركة شعبية أدت إلى توقيف العملية». وقوف الخميني إذن معارضا علنيا للشاه كان استمرارا لتقاليد آيات الله في قم بدءا من الميرزا محمد تقي الشيرازي في القرن التاسع عشر وحتى آية الله الحائري وآية الله البرجردي في منتصف القرن العشرين. وفيما كان لكل منهم أسلوبا في المعارضة، إلا أن ما جمع بينهم هو أنهم أبقوا هذه المعارضة في قلب «قم»، فيما خرج بها الخميني إلى شوارع طهران ومشهد وأصفهان وشيراز. لكن ممارسات «اعتراض» الشاه كانت دائما موجودة في قم، ففي مطلع القرن العشرين كانت إيران خاضعة شكليا لحكم الأسرة القاغارية، إلا أنها فعليا كانت خاضعة للنفوذ الروسي في شمال إيران والبريطاني في جنوب إيران حيث حقول النفط. وكانت فترة صعبة اقتصاديا واجتماعيا. كانت الناس تذهب يوميا إلى مراجعها الدينية في المدن الإيرانية المختلفة تشتكي لها صعوبة الأحوال الاقتصادية، وتحالف الإقطاعيين مع النفوذين الروسي والبريطاني. فتبلورت حركة احتجاج من رجال الدين عام 1906 (عرفت باسم ثورة المشروطية) ضد الحكم القاغاري والنفوذ الروسي والبريطاني. واستطاع الشيخ فضل الله نوري، أحد كبار المرجعيات في قم في ذلك الوقت، تقييد سلطة الملك القاغاري مظفر الدين شاه وإلزامه بدستور مكتوب هو دستور عام 1906. وكان عدد من أساتذة الخميني في «المدرسة الفيضية» في حوزة «قم» من قادة «ثورة المشروطية» من أمثال آية الله التبريزي وآية الله أبادي وآية الله الخونساري، وكان لهذا تأثير على الخميني، الذي كان يغادر دروس الحوزة في «قم» ويتوجه إلى البرلمان الإيراني في طهران في العشرينات من القرن الماضي لسماع مداخلات آية الله حسن المدرس أحد أبرز وجوه المعارضة الدينية والسياسية في ذلك الوقت. (لما أُعلنت ثورة المشروطية في إيران، طلب علماء الدين من رضا خان من الأسرة القاغارية أن يحد من النفوذ الروسي والبريطاني وأن يقبل تقييد سلطاته. وكان من بينهم آية الله المدرس الذي عرف بلسانه اللاذع إذ قال مرة لرضا خان: «أنت إنسان همجي، ما شأنك وشأن السياسة، اذهب وفتش عن عمل يناسبك». وقد حاول رضا خان اغتيال آية الله المدرس في أصفهان، مسقط رأسه، لكن المحاولة باءت بالفشل، ثم تكررت محاولة الاغتيال في طهران حيث هاجمه نحو 10 مسلحين، إلا أنه لم تصبه إلا أربع رصاصات جاءت كلها في اليد). وبعد الحرب العالمية الأولى عينت بريطانيا التي اتسع نفوذها في إيران بعد انتصارها في الحرب حكومة جديدة عام 1919 برئاسة سياسي إيراني اسمه «وفوق الدولة» في ظل حكم الأسرة القاغارية، ووقع وفوق الدولة اتفاقية مع بريطانيا تقضي بإدارة الشؤون العسكرية والمالية تحت إشراف مستشارين بريطانيين. لكن وقف آية الله المدرس ضد هذه المعاهدة وضغط على الملك القاغاري لرفض الضغوط الانجليزية. فتصاعدت الخلافات وقام الإيرانيون بحركات احتجاجية في الشمال والجنوب. فاستقال وفوق الدولة، وعينت بريطانيا ضياء الدين الطباطبائي رئيسا للوزراء، فاتفق الطباطبائي مع الضابط في الجيش البريطاني ورضا شاه وزير الدفاع الإيراني آنذاك على احتلال طهران، وسجن المعارضين ومن بينهم آية الله المدرس، رئيس كتلة طهران في البرلمان الإيراني.

منال لطفي
الشرق الأوسط