إيران 30 عاما على الثورة ـ الحلقة (2) : الآباء الروحيون لـ «روح الله».. ومعركة الإرادات بين الشاه والحوزة

Printer-friendly versionPrinter-friendly versionSend to friendSend to friend
بدأ الصراع بين «كرسي الملك».. و«كرسي المرجعية» منذ ثورة المشروطية 1906.. إلا أن الخميني نقله من الحوزة إلى الشارع

لكن بالرغم من انشغال الحوزة بمعارضة سياسات الشاه، إلا أن إطاحة الشاه لم تكن في الواقع هدفا لرجال الدين في قم آنذاك. ويقول المفكر الإيراني محسن كديور لـ«الشرق الأوسط»: إن رجال الدين في حوزة قم بالرغم من اعتراضاتهم على سياسات الشاه، إلا أن مبتغاهم كان إجباره على تغيير سياساته، موضحا: «في ذلك الوقت لم يكن قد تبلور التيار الأكثر ثورية في قم الذي رأى أنه لا أمل في إصلاح الشاه.. هذا التيار تبلور تدريجيا داخل قم، والحقيقة أنه تأثر بالشارع الإيراني الذي كانت تتحرك فيه تيارات ثورية عديدة من يمين إلى يسار.. أي أن الشارع الإيراني سارع إلى تثوير الحوزة». جاءت اللحظة الفاصلة في الانشغال السياسي للخميني بعد وفاة آية الله البرجردي عام 1961، ما أتاح للخميني التحرك بسلاسة أكبر في الحوزة، إلا أن الشاه كان يريد شيئا آخر، كان يريد إضعاف حوزة قم لصالح حوزة النجف للتخلص من ضغوطات رجال الدين في إيران. فقد جاء الشاه إلى الحوزة العلمية في قم بعد وفاة البرجردي مباشرة وقام بإلقاء خطبة في مقام السيدة المعصومة، وقال إنه كان هناك سد منعه من تحقيق نوايا والده في إيران (مشيرا إلى وقوف الحوزة ضد خطوات العلمنة التي حاولها والده). واستطرد الشاه مؤكدا انه منذ اليوم ستنفذ نوايا والده في إيران. بعد ذلك أرسل الشاه رسالة إلى آية الله الحكيم في حوزة النجف، عبر له فيها عن احترامه وتقديره. ولم يكن الحكيم يتدخل في الشأن الإيراني لكن الشاه أراد إرسال رسالة مفادها أن المرجعية بالنسبة له انتقلت إلى النجف بعد وفاة البرجردي، بهدف تهميش المرجعية في قم وآيات الله فيها مثل الخميني، والقلبيقاني والمرعشي نجفي، وشريعتمداري. كانت هذه المرحلة مهمة في «صراع الإرادات» بين الحوزة وبين الشاه، فبعد عام على وفاة البرجردي، رأى الشاه أن الوقت بات مناسبا لإجراء التعديلات الدستورية التي يريدها، فأجرى تعديلات على قوانين الانتخابات البلدية تقضي بحذف شرط الإسلام للناخب والمرشح، وحذف شرط القسم بالقرآن، والسماح للنساء بالترشح في الانتخابات. فدعا الخميني إلى اجتماع عاجل في بيت آية الله الحائري اليزدي، وعارض آيات الله البند الأول لأنه يسمح في رأيهم بإدخال الطائفة البهائية في مؤسسات الدولة. فإرسال الشاه رسالة إلى آيات الله الكبار في قم داعيا إياهم «حجة الإسلام» وحثهم على الاهتمام بشؤون الفقه وهداية العامة فقط لا الدخول في السياسة وطرح رأيهم في التعديلات الدستورية التي أجراها الشاه. . لكن الحوزة كانت في مزاج آخر بعد وفاة البرجردي، كان مزاجها أكثر ثورية. فأمر الخميني تلاميذه بتنظيم مظاهرات، وامتلأت شوارع مدن إيران لمدة 6 أشهر بالمظاهرات. فاضطر الشاه إلى إرسال رسائل إلى آيات الله، باستثناء الخميني، يعلن فيها التراجع عن التعديلات الدستورية، غير أن الخميني أصر على أن يكون خطاب التنازل عن التعديلات علنيا وليس في رسالة للعلماء فنشر القرار في الصحيفة الرسمية. ويلاحظ هاني فحص أن الشاه لم يستطع أن يلحظ مبكرا تزايد المد ضده في حوزة قم، إذ كان الشاه يعتقد ان الخطر الأساسي يأتي من الحركتين اليسارية والوطنية الليبرالية في إيران اللتين دفعتا ثمنا باهظا بسبب هذا الاعتقاد. فعندما أعلن الشاه عن إحباط محاولة لاغتياله، اعتقل عشرات المعارضين من حزب «توده» اليساري، كما أعتقل آية الله كاشاني زعيم كتلة طهران في البرلمان الذي كان قريبا من الحركة الوطنية بقيادة زعيم الجبهة الوطنية محمد مصدق. فيما كانت حركة «فدائيان إسلام» المسلحة والتي خرجت من قلب قم إلى يد أحد طلبة العلوم الدينية وهو نواب صفوي تعمل من دون تضييقات كثيرة ما جعل تأثيرها يمتد بسرعة وسط طلبة الحوزة في قم، ثم خارج قم، ما ساهم في انتشار سمعة الخميني كمعارض قوى للشاه وسط الحوزة، إذ أنه كان مؤيدا لحركة نواب صفوي. وفي عام 1963 ووسط أوضاع اقتصادية واجتماعية وسياسية صعبة، أعلن الشاه الثورة البيضاء وتتضمن الإصلاح الزراعي ومحو الأمية وبيع نسبة معينة من أسهم الشركات الحكومية للشعب وتعديل قانون، إلا أن الخميني انتقد مسالب في الثورة البيضاء ومن بينها أنها تجعل إيران تعتمد على الاستيراد من الخارج، وقال الخميني إن الإصلاحات انتهاك للدستور لأنها تمنح الشاه كل هذه الصلاحيات، وقال لأنصاره إن الهدف الآن «لم يعد الحكومة» بل «الشاه شخصيا». فخرجت المظاهرات في كل المدن الإيرانية، وبدأت الإضرابات وتعطلت الأعمال، فأعلن الشاه إجراء استفتاء على إصلاحاته وتعديلات للقوانين وقرر زيارة قم، إلا أن الخميني اصدر فتوى بتحريم استقبال الشاه. فقاطع أهالي قم ورجال الدين زيارة الشاه، إلا أن الاستفتاء مر شعبيا. لكن الخميني دعا إلى مواصلة رجال الدين الإضراب، فقرر الشاه الرد وأعطى أوامر باقتحام «المدرسة الفيضية»، أكبر المدارس الدينية في قم في مارس (آذار) عام 1963. وفي مطلع عام 1963 قرر الشاه فتح سفارة لإسرائيل في طهران فاجتمع الخميني مع آيات الله في قم وقرروا إرسال رسالة اعتراض للشاه في ذكرى عاشوراء احتجاجا، ما أدى إلى اعتقاله في 4 يونيو (حزيران) عام 1963 من منزله في قم حيث أخذ إلى طهران، ولاحقا أطلقه الشاه ووضعه قيد الإقامة الجبرية في منطقة الداودية التي تبعد 12 كيلو مترا عن طهران، فأعلن البازار الإضراب حتى إطلاق الخميني. وبعد 9 أشهر أطلقه الشاه في أبريل (نيسان) 1964. لكن خلال سجن الخميني صعد تيار داخل الحوزة بقيادة آية الله شريعتمداري يتساءل حول جدوى الثورة ضد الشاه وفرص نجاحها وكانت هذه فرصة ملائمة للشاه لتعزيز الانشقاق داخل الحوزة. وإذا كانت «تقاليد الاعتراض» داخل الحوزة أحد العوامل الأساسية التي ساهمت في دفع الثورة ضد الشاه للأمام، فإن «جذور الاختلافات» بين التيار الديني من ناحية، والتيار الليبرالي الوطني واليساري من ناحية أخرى أحد العوامل الأساسية التي أثرت على مسار الثورة والدولة الإيرانية اليوم. ويلاحظ محمد علي مهتدي الصحافي الإيراني في صحيفة «اطلاعات» اليومية الرسمية أن الحركة الوطنية الإيرانية خلال تلك الفترة في الخمسينات والستينات شهدت تعاونا وتنسيقا وتبادلا للأدوار بين التيارين الليبرالي واليساري من ناحية، والتيار الديني من ناحية أخرى، موضحا لـ«الشرق الأوسط» أن هذا التنسيق والتواصل كان أيضا كاشفا وبشكل مبكر للاختلافات بين التيارين. فمنذ البداية وبالرغم من عداء التيار الوطني الليبرالي واليساري والتيار الديني للشاه، إلا أن كليهما كان يعتقد أنه هو «التيار الأساسي المحرك» للاحتجاجات ضد الشاه، وان التيار الآخر ما هو إلا «لاعب إضافي ثانوي» يدعم اللاعب الأساسي. وكان لسان حال الحركة الوطنية الليبرالية يقول: نحن دفعنا الثمن أكثر من رجال الدين، نحن من دخل السجن وتعذب. فيما رجال الدين في قم يقولون: نحن أيضا دخلنا السجون، وإن لم يكن بنفس الدرجة، لكننا حركنا الشارع بفتاوى آيات الله في الحوزة. وهناك حادثة تاريخية توضح الجذور الأولى لسوء التفاهم هذا. ففي الخمسينات شكل رجال الدين والحركة الوطنية العلمانية ائتلافا في البرلمان.
منال لطفي
الشرق الأوسط