إيران: 30 عاما على الثورة ـ الحلقة (4) : خميني باريس.. وخميني طهران

Printer-friendly versionPrinter-friendly versionSend to friendSend to friend
من بازركان إلى يزدي إلى بني صدر .. هكذا تفاقمت الصراعات داخل تيارات الثورة الإيرانية

فأصبحت المنافسة الحقيقية بين بني صدر وحبيبي ممثل الإسلاميين ضمنا، وحصل بني صدر على دعم الليبراليين والوطنيين وبعض رجال الدين وفاز بالانتخابات، وساعده على الفوز علاقته الجيدة بالخميني منذ أن كان مستشارا له في باريس. إلا أن الخميني في قرارة نفسه لم يكن مرتاحا لتولي بني الصدر الرئاسة، ففي الحقيقة صوت الخميني لحسن حبيبي كما قال أحمد الخميني، إلا أنه لم يقل للناس لا تصوتوا لبني صدر.

بعد انتخابه توجه بني صدر إلى مستشفى القلب في طهران عام 1980 لينال مباركة الخميني وتكليفه بالرئاسة، فانحنى بني صدر وقبل يده. وقرأ أحمد الخميني كلمة والده لتنصيب بني صدر التي صاغها بعناية وقال فيها: «إني أنفذ رأي الشعب وأعين بني صدر في هذا المنصب، لكن هذا التعيين وتنصيبه ورأي الشعب مشروط بعدم مخالفته للأحكام الإسلامية المقدسة واتباعه للدستور الإسلامي الإيراني». لم يكن رجال الدين الذين جلسوا في الصفوف الأولى خلف الخميني سعداء، فيما كان الخميني مقطب الجبين. وبعدما انتهى أحمد الخميني من إلقاء كلمة أبيه قال الخميني عبارة واحدة عابسا: «إني أذكّر السيد بني صدر بجملة، وهي تذكرة للجميع، إن حب الدنيا رأس كل خطيئة. إني أطلب من السيد بني صدر ألا تتغير سيرته بعد رئاسة الجمهورية».

ويتذكر بني صدر تلك الايام والظروف التي كان يعمل خلالها والضغوطات, موضحا لـ«الشرق الأوسط» «كانت هناك عدة عوامل غيرت مسار الثورة، وليس فقط الخميني، لكن بالطبع تأثيره كان كبيرا. كانت هناك ميول وحب للسلطة لديه، وهذا ما سهل بالنسبة إليه وضع يده على إيران بطريقة ديكتاتورية. بالطبع كان هناك فرقاء من اليسار أرادوا أن يلعبوا دور لينين في الثورة الإيرانية، بينما الإسلاميون كانوا قد بدأوا بالتصدي للنظام بقوة السلاح. وهناك قضية الرهائن والحصار الاقتصادي، كل هذه الأشياء لعبت دورا في إعادة تركيب الديكتاتورية في إيران. لكن لو كان الخميني يريد أن يلعب هذه اللعبة، لكان بإمكانه التصدي لها. حيث كان قد وعد أمام العالم أجمع، باحترام الديمقراطية والتقدم وحقوق الإنسان. وأنا أعتقد انه لو أراد أن يحترم وعوده لكان بإمكانه أن يفعل. كانت هناك بالطبع عوامل تدفعه باتجاه عدم احترامها، ولكن الخميني كان قويا لدرجة انه كان بإمكانه أن يقاوم لو أراد أن يحترم وعوده».

من ناحيته يقول هاني فحص لـ«الشرق الأوسط» حول علاقة بني صدر مع الخميني: «بني صدر كان محسوبا على بيت الإمام (أحمد الخميني، أشراقي صهر الخميني، ومحمد منتظري، كانوا مؤيدين لبني صدر)، ومشكلته أنه كان مثقفا أكثر مما كان سياسيا. الخطأ الذي ارتكبته منظمة مجاهدي خلق أنها بدأت تعلن تحفظاتها للتيار الديني وللإمام الخميني وللثورة عموما بجانبيها الليبرالي والديني في لحظة الانتصار، ثم طورت ذلك إلى ممارسة العنف، فمورس قمع ضدها. أما الخلاف بين التيارات الليبرالية فقد بدأ أولا فيما بين التيارات الليبرالية، وبدأ بين تيار جبهة ملي (أو الجبهة الوطنية) كريم سنجابي الذي كان وزير خارجية، وبين حركة تحرير إيران، أي بازركان ويزدي. هؤلاء هم الذين بدأوا بإقصاء أو بمساعدة الإمام الخميني وترغيبه في إقصاء كريم سنجابي. أي حدث الخلاف في الصف الليبرالي في البداية لأن سنجابي كان أكثر ليبرالية منهم، وأقل قربا من تيار رجال الدين.. أما التناقضات بين التيار الليبرالي والتيار الديني فقد كانت موجودة منذ البداية، فقد كنت أراهم قبل نجاح الثورة وكانوا متعاطفين مع الإمام الخميني على أساس أنه طريق لدولتهم.. الإمام الخميني لاحظ هذه المسائل منذ البداية. كان الإمام الخميني يحاول أن يمسك العصا من الوسط، يحافظ على الجميع، إلى أن بدأ رجال الدين يطلون على السلطة، فبعد أن أصبح هاشمي رفسنجاني رئيسا لمجلس النواب بدأت شكاوى الليبراليين، وبدأوا يفتحون خطوطا على حسابهم، أي ضمن تصوراتهم الليبرالية. وبدأوا من خلال موقعهم في السلطة بعزل التيار الديني ومحاصرته، وارتكبوا خطأهم الكبير بأنهم التقوا مع برجنيسكي في الجزائر. جلسوا معه جلسة طويلة، ولم يفصحوا تماما للخميني عما حدث خلال اللقاء، فتفجرت الأمور في هذه اللحظة، فالإمام الخميني لم يعرف باللقاء مسبقا. وهنا يتردد أنه عندما التقى إبراهيم يزدي مع الخميني وتحدث معه حول اللقاء مع برجنيسكي تكلم يزدي 10 دقائق، فقال الخميني: أنتم جلستم مدة ساعة ونصف، لكنك تكلمت 10 دقائق فقط.. فبدأت الشكوك تنفجر».

ويتابع فحص: «بني صدر خلط بينه نفسه وبين الثورة والخميني، اعتبر أن الـ11 مليون صوت و700 ألف التي حصل عليها في الانتخابات له، علما أن سمعته كانت محصورة بين المثقفين، وهذا ليس انتقاصا منه، لكنه كان مثقفا، لم يكن منخرطا في عمل سياسي مباشر، ولم يكن معروفا شعبيا.. وصلت الأمور ببني صدر إلى أنه انحاز إلى مجاهدي خلق في النهاية، وهم الذين كانوا في الأصل أعداء له. وكانت طبيعة المثقف متحكمة فيه، أي يرى الأمور كما يحب وكما يكره، وبدأت تظهر ذاتيته، حتى إن الشعب الإيراني أسماه (اقاي من) أي «السيد أنا».. ومع ذلك ظل الخميني يعطيه فرصا ويطلب منه أن يراجع مواقفه، إلا أن بني صدر لم يتغير، وعمل مهرجانات كان جمهورها فقط مجاهدي خلق في لحظة صعبة، إلى أن تشكلت لجنة لدراسة أهليته وحكمت بفقدانه للأهلية، فأقصي من الرئاسة. أما مع بازركان، الخميني كان يحب بازركان، وكانت علاقته بحركة تحرير إيران علاقة طيبة أيام الثورة. مع بدء الدولة بدأت التميزات، وبدأ الجانب الليبرالي يتبلور أكثر، بمعنى أن التيار الديني يريد التيار الليبرالي مساعدا له وتحت إمرته، والتيار الليبرالي يريد من التيار الديني أن يكون داعما لدولته، وأن تصير الدولة ليبرالية، ويعود المتدينون إلى مواقعهم الأساسية في قم، وهذه مشكلة ولاية الفقيه. كنت في طهران يوم الانتهاء من وضع الدستور، وكانت جماعة بني صدر وبازركان يتناقشون مع الآخرين من رجال الدين.. الولي الفقيه، ماذا ترك في الدستور لرئيس الجمهورية؟ شعر الناس كلهم أن رأس الهرم هو المتحكم، وأن رئاسة الجمهورية والسلطة التنفيذية تشتغل بأمر الولي الفقيه، وهي محدودة ومحاصرة. هذه هي المشكلات التي حدثت».

كان الصدام محتوما إذن بين بني صدر والخميني، ففي أدائه القسم لم يذكر بني صدر كلمة «ثورة إسلامية» أو «انقلاب إسلامي»، ولم يذكر عبارة «دستور إسلامي» أو «جمهورية إيران الإسلامية»، وتعهد بالعمل «وفاء للشعب»، لكن الأهم من كل ذلك أنه لم يذكر اسم الخميني، بل قال: «إني أقسم بالقرآن المجيد أن أكون وفيا للدستور، وأن أبذل قصارى جهدي دوما من أجل إعلاء اسم إيران، ومن أجل تحسين الوضع المعيشي للناس. وليس هناك أي سبب يجعلني لا أبذل هذا الجهد عندما يبدي أهلنا كل هذا الصفاء والصدق قبل وبعد انتصار الثورة، وأظهروا كل هذا الوفاء والاستقامة».

منال لطفي
الشرق الأوسط